رحيل نازك الملائكة الرائدة الأولى في الشعر الحر العربي

حزيران 22nd, 2007 كتبها أغيد الصالح نشر في , مقالات أدبية وعامة

رحيل نازك الملائكة (1923ـ 2007) :
ريادة الشعر الحر وانطواء وانتظار طويل للموت ومحاولة فك لغزه
((منقول عن صحيفة القدس العربي اللندنية - ابراهيم درويش - 22/6/2007م))

 
            ارتبط اسم الشاعرة العراقية الراحلة نازك الملائكة (1923 ـ 2007 ) بسؤال الريادة في الشعر العربي الحديث، من تمرد اولا علي اوزان الخليل ومن بدأ حركة الشعر الحر نازك ، بدر شاكرالسياب ام عبدالوهاب البياتي … ومن كان سابقا، قصيدة الكوليرا 1947 ام هل كان حبا للسياب، وايا كان الجدل، فالتجديد في القصيدة العربية اضحي واقعا والقصيدة العربية قطعت مراحل طويلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تواصل التجديد والبناء، ومن هنا فالمهم قراءة تجربة نازك الملائكة باعتبارها صوتا تأسيسيا في حركة الشعر العربي الحديث. وتري سلمي الخضراء الجيوسي ان حركة الشعر الحر بدأت رسميا واعلاميا بصدور ديوان شظايا ورماد 1949 بالرغم من ان 11 قصيدة من قصائد الديوان ( مجموعها 32) كانت مكتوبة علي طريقة الشعر الحر.
وقد قدمت الملائكة لديوانها عارضة لافكارها في الشعر الحر وتفضيلها له كوعاء فني اقدر من الشعر المكتوب بطريقة البحور الخليلية. الاسلوب الجديد في ترتيب التفعيلات الخليلية يحرر الشاعر من الوف القيود .وتقول الجيوسي ان الحركة / حركة الشعر الحر تلقت دفعة عندما اصدر بدر شاكر السياب (1926 ـ 1964) ديوانه الثاني اساطير . لم تنته قصة الريادة خاصة ان الملائكة وان المحت في بداياتها الي انها اول من اكتشف هذا الشكل لكنها نفسها في المراحل الاخري من تجربتها الشعرية ضاقت ذرعا بالحديث خاصة هجوم، البياتي عليها والذي كان يعتقد انه احق بالريادة، مع ان المرحوم الدكتور احسان عباس اكد علي اهمية دورها عندما تحدث عنه في كتابه عن بدر شاكر السياب، حياته وشعره وايا كان فالجيوسي تعتقد ان ديوان شظايا ورماد (1949) كان المنبر الذي بدأ منه النشاط النقدي حول الشعر الحر واسهمت كتابات الملائكة في البداية واللاحقة في نشوء حركة او نشاط فني ساعد في تفسير وتحديد معالم الحركة الجديدة، رغم ان النقاش التجديدي حول الشعر كان سابقا. وتلاحظ الجيوسي ان السياب وعبدالوهاب البياتي والملائكة بدأوا رومانسيين، خاصة الملائكة التي بدأت في ديوانها الاول عاشقة الليل انطوائية ورومانسية، وفردية تحمل في طيات تجربتها الشعرية ابداعا اكبر مما كان لدي معاصريها من الرومانسيين العرب. عموما ظلت الانطوائية ملمحا هاما من ملامح شعرها وحياتها، خاصة قصائدها في قرارة الموجة و شظايا ورماد . ومع ذلك كتبت قصائد عالية الجودة تخوض في هموم الفرد العربي والقلق الانساني.
وتأخذ الجيوسي علي النقاد العرب تضخيمهم لموقفها الانطوائي، ربما بسبب طريقتها الشخصية في تناول المشكلات الشمولية.
عندما تحدثت الملائكة عن ضرورة التحرر من قيود القديم كانت شابة وغير مجربة او ربما بالغت في حديثها لانها الغت بقولها هذا شعرا جميلا وقديما. لكنها بعدما نضجت واستوي عودها وعود تجربتها الشعرية عادت ربما بدافع لتقنين التجربة الجديدة، بعد ان خرجت عن مسارها كما كانت تعتقد، خاصة ان فترة الخمسينيات شهدت طوفانا من الشعر الحر الرديء. ومن هنا قامت بتغيير موقفها من الشعر الحر عندما اصدرت كتابها قضايا الشعر المعاصر حيث اتخذت موقفا حذرا وبدت اكثر حرصا علي تقعيد التجربة وقالت ينبغي ألا ننسي أن هذا الأسلوب الجديد ليس خروجاً علي طريقة الخليل، إنما هو تعديل لها، يتطلبه تطوير المعاني والأساليب خلال العصور التي تفصلنا عن الخليل . وقد تكون هناك اسباب عديدة تلك التي دفعتها منها ما اشارت اليه الجيوسي من خوف الملائكة من انحراف الشعر الجديد عن الخط القومي، خاصة جماعة مجلة شعر التي كانت تطالب بتحرر اكبر في الشكل الشعري ولغته. ولكن موقفها هذا لم يلق حفاوة من النقاد الذين شنوا عليها حملة شديدة، فقد خصص محمد النويهي جانبا كبيرا من كتابه قضية الشعر الجديد (1964) للرد علي اطروحتها، كما لم تلق افكارها قبولا من عزالدين اسماعيل ولويس عوض ويوسف الخال وجبرا ابراهيم جبرا الذين دافعوا عن حريتهم في اختيار الشكل العروضي المناسب.
علي العموم ان موقف الملائكة وهي المبدعة مدعاة للدهشة فتجارب شعرية رديئة لا يمكن ان تؤخذ معيارا لتجربة ابداعية وهي كمغامرة كان عليها ان تتحلي بقدر من التسامح والجرأة لاخذ التجربة لمداها الرحب ومن المفيد هنا العودة الي تجربتها الاولي في قصيدة الكوليرا التي قدمتها علي انها محاولة للخروج لفضاء شعري جديد، حيث تقول: بعد صدور عاشقة الليل بأشهر قليلة عام 1947 انتشر وباء الكوليرا في مصر الشقيقة ، وبدأنا نسمع الإذاعة تذكر أعداد الموتي يومياً، وحين بلغ العدد ثلاثمئة في اليوم انفعلت انفعالاً شعرياً، وجلست أنظم قصيدة استعملت لها شكل الشطرين المعتاد، مغيرة القافية بعد كل أربعة أبيات أو نحو ذلك، وبعد أن انتهيت من القصيدة، قرأتها فأحسست أنها لم تعبر عما في نفسي، وأن عواطفي ما زالت متأججة، وأهملت القصيدة وقررت أن أعتبرها من شعري الخائب الفاشل وبعد أيام قليلة ارتفع عدد الموتي بالكوليرا إلي ستمئة في اليوم ، فجلست ونظمت قصيدة شطرين ثانية أعبر فيها عن إحساسي، واخترت لها وزناً غير القصيدة الأولي، وغيرت أسلوب تقفيتها ظانة أنها ستروي ظمأ التعبير عن حزني، ولكني حين انتهيت منها شعرت أنها لم ترسم صورة إحساسي المتأجج، وقررت أن القصيدة قد خابت كالأولي، وأحسست أنني أحتاج إلي أسلوب آخر أعبر به عن إحساسي، وجلست حزينة حائرة لا أدري كيف أستطيع التعبير عن مأساة الكوليرا التي تلتهم المئات من الناس كل يوم . وفي يوم الجمعة 27/10/1947 أفقت من النوم، وتكاسلت في الفراش أستمع إلي المذيع وهو يذكر أن عدد الموتي بلغ ألفاً فاستولي علي حزن بالغ، وانفعال شديد ، فقفزت من الفراش، وحملت دفتراً، وغادرت منزلنا الذي يموج بالحركة والضجيج يوم الجمعة، وكان إلي جوارنا بيت شاهق يبني، وقد وصل البناؤون إلي سطح طابقه الثاني، وكان خالياً لأنه يوم عطلة العمل، فجلست علي سياج واطئ، وبدأت أنظم قصيدتي المعروفة الآن (الكوليرا) وكنت قد سمعت في الإذاعة أن جثث الموتي كانت تحمل في الريف المصري مكدسة في عربات تجرها الخيل ، فرحت أكتب وأنا أتحسس أصوات أقدام الخيل:
سكن الليل
أصغ، إلي وقع صدي الأنات
في عمق الظلمة، تحت الصمت، علي الأموات
ولاحظت في سعادة بالغة أنني أعبر عن إحساسي أروع تعبير بهذه الأشطر غير المتساوية الطول ، بعد أن ثبت لي عجز الشطرين عن التعبير عن مأساة الكوليرا ، ووجدتني أروي ظمأ النطق في كياني ، وأنا أهتف :
الموت، الموت، الموت
تشكو البشرية تشكو ما يرتكب الموت
وفي نحو ساعة واحدة انتهيت من القصيدة بشكلها الأخير … وركضت بها إلي أمي فتلقفتها ببرودة، وقالت لي: ماهذا الوزن الغريب؟ إن الأشطر غير متساوية، وموسيقاها ضعيفة يا ابنتي ، ثم قرأها أبي ، وقامت الثورة الجامحة في البيت، فقد استنكر أبي القصيدة وسخر منها واستهزأ بها علي مختلف الأشكال، وتنبأ لها بالفشل الكامل، ثم صاح بي ساخراً: وماهذا الموت الموت الموت …. وراح أخوتي يضحكون وصحت أنا بأبي:
قل ما تشاء، إني واثقة أن قصيدتي هذه ستغير خريطة الشعر العربي . هذه الحكاية التي اسست فيها نازك الملائكة للقصيدة وتكشف عن وعي اولي بسطوة الموت، خاصة في اعمالها الاولي ووعيها وحساسيتها التي جعلتها تحاول فك سر الموت وانتظرته شابة وكهلة وعجوزا.
فمن الملاحظ ان نازك الملائكة انشغلت باكرا في فكرة الموت، فالموت يحضر دائما في اعمالها، مأساة الحياة واغنية الانسان (1970) الذي هو محاولة لفهم مكان الانسان في الحياة ومعني وجوده، في مقدمة هذا الديوان تقول انها في شبابها كانت تتعامل مع الموت كظاهرة مدمرة او كارثة يمكن للانسان ان يسمعها، فقد كان الموت هو اكبر تراجيديا للانسان، وقد حملت معها هذا الحس الخائف طوال حياتها، ومن هنا ظل الموت لغزا وم

المزيد


أولى مسرحيات الصيف القادم / بقلم أغيد صالح

حزيران 7th, 2007 كتبها أغيد الصالح نشر في , مقالات أدبية وعامة

هل حجزتم مقاعدكم لأولى مسرحيات صيف العام 2007؟؟

 مسرحية تراجيدية جديدة … و المكان هذه المرة : لبنان , و تحديدا ً أكثر بيروت , في محيط مخيم نهر البارد الفلسطيني الذي يضم في ثنايا جدرانه الآيلة للسقوط المئات من العائلات الفلسطينية التي لم ينسَ أبناؤها بعدُ مرارة الأربعة عقودٍ الماضية, تلك المرارة التي سببتها يد الأخ قبل يد العدو.

 تعددت الأساليب و المخطط ما زال واحداً … و كما دائما ها هي أمريكا تسعى لرسم و تنفيذ مخططاتها في الخارطة العربية …. و الأدوات هذه المرة كما عهدناها دوماً مجموعة متواضعة من المسلمين المتسلحين بشكل خفيف او متوسط تسمي نفسها (فتح الاسلام) و تتخذ من أحد التجمعات السكنية الفلسطينية مقراً لها … ربما لإضفاء صبغة العنصرية على اهدافها و طريقة التنفيذ و ربما لأسباب أخرى نجهلها … و ها هي أمريكا تستفيد من الحدث مجدداً لفرض أجندتها.

  إن ما يحدث مسرحية تراجيدية تم تضخيمها بشكل كبير جدا ً بهدف استعادة وجود الجيش اللبناني على الخارطة السياسية ولو معنوياً بعدما خَفَت وجوده لحساب حزب الله المنظم في الجنوب … و الذي نستغربه أكثر قيام أميريكا بالاسراع في دعم الجيش اللبناني و هو نفسه الجيش الذي كان في الأمس القريب اي قبل حوالي عشرة شهور القوة التي يفترض أن تحمي لبنان الذي حاولت اسرائيل احتلاله كما رأينا.

واضح تماما ً أن أمريكا لفقت كذبة فتح الاسلام هذه و استفادت من مخططات أفردها البسيطة في قلب النظام و إقامة "دولة الإسلام في لبنان" (كما يحلو لهم تسميتها) لتسهيل تمري

المزيد


نحت شعري مع محمود درويش … تفشّي النثر في الصلوات

نيسان 20th, 2007 كتبها أغيد الصالح نشر في , مقالات أدبية وعامة

نحت شعري مع محمود درويش تفشي النثر في الصلوات

((منقول عن مازن نجار- صحيفة  القدس العربي اللندنية - النسخة الالكترونية ليوم الخميس 19 نيسان 2007))

الحديث عن محمود درويش يجرّنا مباشرة إلي سؤال وجودي هو كيف كان كائنٌ مثله، او كيف تشكل عالمه المدهش المليء بالحيوية والغني، ولعلَّ ميزةً أساسية تلفِت الإنتباه مباشرة إلي شعره هي القدرة علي تغيير جلده كالأفعي التي تسأم من نفسها…فلا يلبث إلا أن يجدد نفسه وتنحو تجربتُه نحو مساراتٍ لم تستردْها من قبل…..
يدفعنا ما سبق إلي التساؤل: كيف استطاع محمود أن يأتي بهذا المخزون الواسع..وأن يضع أمامنا معجماً شعريا متنوع البني والدلالات والرؤي والمواضيع؟…. وكيف يشعر عندما ينهي أي كتاب بأنه كتابه الأخير كما يقول ثم يعود ليكتشف أنه ما يزال علي قيد الشعر ليقول أكثر مما قاله من قبل؟
ورغم أن اللحظةَ التاريخيةَ الطارئة زمنياً مهما تكن كانت مهيمنةً علي اللحظة الجماليَّة عنده إلا أنه تدرّج في سيرورته نحو الانفلات من أعباء المرحلة والنحو نحو قصيدة أكثر شعرية ووضاءة.
يصرح قائلاً (أنا من الشعراء الذين لا يحتاجون إلي نقاد ليدمروهم..أنا كفيل بتدمير نفسي والتمرد عليها).
وهو من يقول في جداريته:
كلما احترق الجناحان اقتربتُ من الحقيقة وانبعثتُ من الرماد
أنا حوار الحالمين
عزفتُ عن جسدي وعن نفسي
لأكملَ رحلتي الأولي إلي المعني
فأحرقني وغاب
وباعتبار أن الحالة الشعرية التي تعتري الشاعر وتحولُ له الذراتِ المتناثرة أمامَه في اللاشيء إلي كلماتٍ شعرية أو تلك الكهرباء التي تسري فجأة في جسد ميت فتعيدُ له الحياة هي حالة واحدة الماهيَّة والنتيجة لدي معظم الشعراء….
وبعيدا عن القراءات الجزئية أو التفسيرية سنحاول أن نقدم قراءة استخلاصية تقعِّر النظرَ نحو بؤرةٍ محدّدة وهي محاولة معرفة سرِّ محمود درويش أو ما يحصل خلال تلك الالتماعة الشعرية، بعقلية من يكتب الشعر وليس بعقلية الناقد وأدواته الأكاديمية.

جداريَّة درويش وشعريَّة الشعر:

الملاحِظ لدرويش من خلال لقاءاته وشعره أنه يبدو أكثر صدقاً فيما يكتبُه من شعر وما يتجلَّي في ما بين أسطُرِه عما يقوله في مقابلاته..ويبدو أنه يحب أن يخفي سرَّه..ويرفض أن يعطي مسوَّداتِه الأولي للنقاد التي صرَّح أنها تختلفُ كثيراً عن قصيدتِه النهائيَّة
لكن عندما يقفُ محمود أمامَ الموت وجهاً لوجه ويشعرُ أن الزمن خانه وهو لم يقُلْ بعد كل ما عنده….ينتفض ليُخرج من تحت جلده ما كان يخبئه ويصرح به في ساعة اليقين -عندما بصرُه يومئذ حديد - بما لم يكن ليصرح به لو لم يقترب منه الموت بهذه الدرجة:
كأني عندما أتذكر النسيان تنقذ حاضري لغتي.
ولذلك تبدو جداريته بيئة وفرصة مناسبة لاستكشافه بعد أن خدعه الموت واضطرَه ليقول ما قاله ثم ولَّي عنهُ إلي ميعادٍ آخر وهو نفسه الذي يقول في مجموعته (لا تعتذر عما فعلت):
وعند الفجر أيقظني
نداء الحارس الليلي من حلمي ومن لغتي:
ستحيا ميتة ًأخري
فعدِّلْ في وصيتك الأخيرة
قد تأجَّلَ موعدُ الإعدام ثانية
سألتُ: إلي متي؟
قال: انتظرْ لتموتَ أكثر
قلت: لا أشياء أملكُها لتملكني..
في جداريَّته - الصوت القادم من الموت- العارف بأسرار الحياة بعد فوات أوانها، يأتينا صوتُه يبحثُ في أسرارِ الوجود وينقِّب في غياهبه..
في الجدارية يسألُ نفسَه السؤال الذي طالما مارسَ إجابته دون ان يعيها..يسأل نفسه في بؤرة مهمِّةٍ جدا في جداريته عن ماهيَّة الشعر لديه وكيف تتجلَّي اللحظة الشعرية: من أين تأتي الشاعرية
من ذكاء القلب، أم من فطرة الإحساس بالمجهول، أم من وردةٍ حمراءَ في الصحراء؟..
ويردفُ في تضاعيفِ جداريته:
الصحراء تنقص بالأغاني أو تزيد.
ليس المتكلم هنا هو درويش لكنه صوت الكشف الذي يحاول أن يحل خيوط أعقد سؤال عن التفاصيل التي تطرأ في تلك الالتماعة التي لا تستغرق إلا أجزاء من الثانية وتنبض فيها القصيدة…… تلك التفاصيل التي تبدو أشد غموضاً حتي بالنسبة للشاعر نفسه.
- هل الشعرُ يأتي من حالة شعورية يستكشفها الحدس ويجسدها في أحاسيس معاشة يمكن للحدس التعبير عنها بسلطته اللامرئية ويجسدها في قدرة علي خفض مستوي ترددات الشعور حتي يتواكب َمع الاشياءِ غير المحسوسة في زحمة الحياة اليومية ؟،
- أم أن الحالة الشعرية هي حالة فكرية فقط يجرِّدها العقل ويبنيها جزءا جزءا ويشكل حالة معينة قد تكون غير معاشة بالضرورة يعبر عنها شعرياً؟
كيف يصل إلي لحظة الالتماعة الشعرية وما هي مصادر الصورة الشعرية لديه ؟
صحيحٌ أن كل الأسئلة النظرية عن الشعر وماهيته لا يمكن الإجابة عليها إلا شعريَّاً أي بالشعر نفسه…لكن المغامرة رغم هذا تحلو هنا خاصة مع شاعر مثله وتحيلنا أيضا ًلنكتشف أنفسنَا من جديد معه.

قدسيَّة الشعر:

الشعر كائن مقدس ما نزال نحاول معرفته. لكن المشكلةَ أنَّنا كلما حاولنا التقاط الشعر عندما يأتي إلينا واصطيادَه أثناء لحظة الكتابة الشعريَّة والعودة إلي الوعي لمعرفة ما يحصل.. يهربُ الشعر ويتحوَّل إلي دخان أبيض يحرق أوراقه الخضراء:
للكلمات وهي بعيدةٌ أرضٌ تُجاورُ كوكباً أعلي
وللكلماتِ وهي قريبةٌ منفي
كلما فتَّشتُ عن نفسي وجدتُ الآخرين
وكلَّما فتَّشتُ عنهم لم أجد فيهم سوي نفسي الغريبةِ
هل أنا الفردُ الحشود؟
ودرويش كذلك تصبح الشعرية عنده طريقةً للعيش والفهم وتجلياتُها حالةٌ مقدسة يحلو استكناهُها، وتثيرُ القلق الوجوديَّ في نفس الشاعر الذي يعتبرُها اتصالاً مباشراً مع خط السماء الساخن الذي يرتقي فوق العدم ويُرجع الأشياء إلي مكوناتها البدائية وعُري ولادتها الأول.. كلما اتضح الطريق إلي السماء
وأسفر المجهول عن هدف نهائي
تفشي النثر في الصلوات
وانكسر النشيد الصلاة تتلي شعراً يتم التقرب به إلي الخالق…وما تبقي هو النثر… والنثر هو اللاشعر فقط… وكلما حاولَ الشعر عند اقترابه من أبواب السماء فضَّ مغاليق السر ينكص إلي حالة النثر ويأتيه شهاب ثاقب يبعده عن تجليات هذه الحقيقة، وحينما يصبح الزمن نثرياً رديئاً ساعتها ستنتهي مطامح البنات بفرسان فلن يجدن إلا الدوني و: ستعثرُ الأنثي علي الذكرِ الملائم في جنوحِ الشعرِ نحو النثر ولعلَّ من إحدي مهمات قصيدة النثر أن تبرز كيف يستطيع الشعر دخول الجنة دون أي عبادة او مفاتيح ويتجاوز مغاليق الأبواب التي طالما غررتها الأناشيد المموسقة والابتهالات المرتلة.

محمود في مقابلاته:

لم يكتب محمود في تنظير الشعر أو الحديث عن تجربته الكثير فهو قد قال شعراً ما أراد ان يقوله نثراً وهذا يحسب له بعكس الآخرين…. لكننا بالمرور علي مقابلاته التي تكلم فيها عن لحظة الشعر لديه نلاحظ وجود تباين متك

المزيد


خمسون عاماً على مجلة "شعر"

آذار 12th, 2007 كتبها أغيد الصالح نشر في , مقالات أدبية وعامة

خمسون عاما ً على مجلة ( شعر)

 

 

هل هناك مجلة عربية اتخذت من الشعر عنوانا لها قبل مجلة (شعر) اللبنانية؟
قد لا يكون.
كانت هناك (الرسالة) و(ابولو) و(المقتطف) و(الأديب) و(الآداب) و(الهلال) و(الزهور) و(التطور) الخ.. هذه عناوين عكست تنوعا في المفاهيم والاهتمامات الادبية والاجتماعية التي لم يكن الشعر بعيدا عنها ولكنه لم يكن في قلبها. لم يكن عنوانها.
كان يوسف الخال القادم من تجربة امريكية يعرف مجلة امريكية رائدة بالاسم نفسه تصدر في شيكاغو قدمت للعالم القصائد الاولي لإيليوت وأزرا باوند (وهما اسمان سيتكرران كثيرا في الادبيات الشعرية العربية الخمسينية والستينية) فأنشأ مجلة عربية حملت اسم المجلة الامريكية وتطلعاتها من اجل شعر حديث، لكن كان علي المولود العربي، علي عكس سميَّه الامريكي، ان يشق، بأصابع غضة، طريقا له في ارض وعرة وفضاء محتدم، فالشعر الامريكي هو، علي نحو او آخر، امتداد للشعرية الاوروبية التي كانت قد انجزت ثورات متعاقبة في شكل الشعر ومعناه، ولم يكن هذا هو حال الشعرية العربية التي طلع فيها العدد الاول لمجلة (شعر) قبل خمسين عاما بالتمام والكمال.
المجلة الاقرب لـ(شعر)، في تطلعها التجديدي، كانت (الآداب). لكن الآداب كلمة تحيل الي معني عام، الي كتابة تتضمن الشعر، كجنس ادبي، وتتجاوزه الي غيره. لم تطرح (الآداب) نفسها منبرا مكرسا للشعر، فهي احتفت بالشعر، التفعيلي خصوصا، الا انها اهتمت، ايضا، بأجناس ادبية اخري (كالقصة مثلا) فيما انصب اهتمام مجلة (شعر) علي الشعر نفسه، كتابة وترجمة ونقدا.
هكذا جعلت مجلة يوسف الخال الشعر (رسالتها) وعنوان معركتها في قلب الثقافة العربية، ولم يخف الخال، ولا غيره من اقطابها، ارتباط (معركة) الشعر بالوعي الحضاري العام، بالعقل وانساق التفكير، بالتراث وكيف نتعامل معه، باللغة ونفض غبار البلاغة الذهبي عنها. الشعر، بهذا المعني فعل تغيير، ولكنه لن يكتب هذا التغيير ما لم تتغير البيئة المنتجة له.
وهنا تتقاطع (شعر) مع (الآداب) في ربط الكتابة بالتغيير وان اختلفتا علي شعار التغيير وفلسفته. كان لـ (شعر) بعد ليبرالي فضفاض فيما رعت (الآداب) التزاما فكريا قوميا ذا نفحة وجودية ويسارية.
هذا تمكن ملاحظته من التسمية نفسها: شعر.
فهي لا تصدر من أل تعريف، ولا من مطلق، بل مما يشبه المجهول والنسبي. انها ليست (الشعر) كله، ولا تحتكر تسميته وتمثيله وانما هي اقتراح له بين مقترحات اخري. وهذا يفسر انعكاس الشكلين الشعريين الموجودين في اللحظة العربية (العمود والتفعيلة) علي صفحات المجلة، اضافة ( وهنا تكمن ريادة شعر) الي شكل سيسمي، مرة، باسمه الصحيح، ومرة، ملتبسا: قصيدة النثر.
هنا الاضافة التي ستسجل لمجلة (شعر) حتي لتكاد ان تقترن بها، رغم أن حيز الشعر التفعيلي كان، علي ما أظن، أكبر من شعر (قصيدة النثر). ومن الحيز الأخير ستطلع الموجة الثانية من قصيدة عربية تتطلع الي دفع التحديث الشعري الي ابعد مدي ممكن.
***
لست من جيل مجلة (شعر) ولا حتي من الجيل الذي تلاه، ولكن تأثري، شخصيا، بما فتحته هذه المجلة من آفاق امام القصيدة العربية كان اكثر، ربما، من اي مطبوعة أدبية عربية اخري، فالاسئلة التي طرحتها (شعر) علي الحياة الثقافية العربية تعدت، كما اسلفت، سؤال الشعر ذاته، بما هو فن مخصوص، الي التفكير بمصادر الشعر ووظيفته وبالحياة العربية التي كانت تجتر قديما (تسميه تراثا) علي غير صعيد وتحا

المزيد


في الذكرى الثلاثين لرحيل الشاعر راشد حسين

آذار 12th, 2007 كتبها أغيد الصالح نشر في , مقالات أدبية وعامة

في الذكري الثلاثين لرحيل راشد حسين:

الشَّجـَرة التي اقـتـُلعـَت من تربتها

كتب الدكتور عبد القادر حسين ياسين في صحيفة القدس العربي اللندنية بتاريخ 16 / 2 / 2007 :

      

في الأول من شباط (فبراير) عام 1977 ذكرت وكالات الأنباء، نقلا عن تقارير  شرطة مدينة نيويورك، أن الشاعر الفلسطيني راشد حسين مات مختنقاً نتيجة حريق شب في غرفته من عقب سيجارة . توفي راشد حسين ولم يكمّل عامه الحادي والأربعين، وقد خلف وراءه إرثاً كبيراً من الألم والحزن والمعاناة، من التحدي والمقاومة، هي إرث شعبه الفلسطيني الذي أحبه وطالما احترق بلهيب عذابه..
كانت حياة راشد حسين قصيرة إذا قيست بعمر الزمن، غير أنها حياة ضجت بعمق التجربة النضالية الفلسطينية بغزارتها وثرائها. فقد كان صوته أول صوت شعري ينطلق في الوطن المحتل في أعقاب نكبة عام 1948.. وحيداً في ساحة الكلمة، مشاركاً في كل هموم بقايا شعبه الذي وجد نفسه معلقاً علي صليب العذاب
ولد راشد حسين في خضم الثورة الفلسطينية الكبري ضد الاستعمار البريطاني ـ الصهيوني في عام 1936. ولم يكد يودع أعوام براءته الأولي حتي وجد أن الوطن قد سحب من تحت قدميه كما يسحب البساط، حتي قريته الصغيرة، مصمص، تلك القرية المتربعة علي تلال وادي عارة في المثلث الصغير، الواقعة علي طريق طالما عبرته جحافل الغزاة منذ فجر التاريخ والتي استمدت اسمها من اسم أحد قادة الفرعون المصري رمسيس، حتي قريته هذه ما لبثت في عام 1948 أن تم تسليمها إلي القوات الصهيونية ضمن اتفاقيات الهدنة، شأنها في ذلك شأن بقية قري المثلث الصغير، وهكذا وجد راشد حسين نفسه فجأة مواطناً عربياً يحمل جواز سفر ضده.
في الخمسينات كان شاعرنا يطوف القري الفلسطينية المحتلة يستلهمها وبقايا المدن يبكيها.. ثم يطلق العنان لحنجرته تنفث الأشعار في كل مكان من أرجاء فلسطين، في المثلث، في الجليل، في النقب.. كل القري عرفته، كل الأزقة والشوارع والمقاهي.. ينشد.. يصرخ.. يصيح.. يبكي من غير دموع.

يافا التي رضعت من أثدائها حليب البرتقال
تعطش.. وهي من سقطت أمواجها المطر
يافا التي كسرت الأيام فوق هذه الرمال
ذراعها تشل، حين ظهرها انكسر
يافا التي كانت حديقة أشجارها الرجال
قد مسحت، محششة، توزع الخدر!
وكنت في يافا أزيح عن جبهتها الجرذان
وارفع الأنقاض عن قتلي.. بلا ركب
وأدفن النجوم في الرمال والجدران
واسحب الرصاص من عظامها.. وأشرب الغضب.

ضد

ضد أن يجرح ثوار بلادي.. سنبلة
ضد أن يحمل طفل.. أي طفل.. قنبلة
ضد أن تدرس أختي عضلات البندقية
ضد ما شئتم.. ولكن
ما الذي يفعله حتي نبي.. أو نبيَّة
حينما تشرب عينيه وعينيها.. خيول القتلة
ضد أن يصبح طفلي بطلاً في العاشرة
ضد أن يصبح الغلام فؤاد الشجرة
ضد أن تصبح أغصان بساتيني مشانق
ضد تحويل حياض الورد في بيتي خنادق
ضد ما شئتم.. ولكن بعد إحراق شبابي
ورفاقي
وترابي
كيف لا تصبح أشعاري.. بنادق؟

إزالة وطن

لقد أزيلت أمام ناظريه ثلاثمئة وخمسون قرية فلسطينية.. مسحت من الوجود.. أصبح أهلها غرباء في وطنهم.. وأخذ الحكم العسكري الصهيوني يطوق شعبه بالسلاسل.. ويحصي خطواته. وتمتزج مرارة راشد حسين بالسخرية حين يقول:

حتي يتامانا أبوهم غائب
صادر يتامانا، إذن، يا سيدي
لا تعتذر من قال انك ظالم
لا تعتذر.. من قال انك معتدي؟

قبل أواخر الخمسينات كان راشد حسين قد أصدر مجموعتين

المزيد