لا هُنا .. بل هَهُناك
جالِساً ..
هوَ لا هُنا .. بَلْ هَهُناك
متأملاً دونَ ارتباكٍ في تصاوير المدى
جالساً و الليل يرويهِ حَكايا للندى
جالساً و الخيل تصهلُ في جُمود خريفِهِ أمَلاً .. سُدى
ترحاله همُّ السنينِ
و حِلُّه صِنْوُ الرّدى
سئمَ الجميعُ وجوده في كلِّ بُقعَةِ ظُلمةٍ
سئموا تطلعَهُ لماضٍ من ورقْ ..
سَئِمَ الوُقوفَ عَلى مَنابِرِهِ ليجهر للغمام حنينَه ..
و تردَّ في صمتٍ عَليهِ نُجومُهُ نُورَ الصَّدَى ..
رغمَ الأرَقْ.
* * *
هو جالسٌ ..
متأملاً إحدى زوايا بيته في عتمةٍ
متخاصمٌ حتى مع الماضي و رائحةِ الحنينْ
بالأمس قد كانوا ثلاثاً ..
" أملٌ — وَ لَهْفَتُهُمْ — وَ مِيعادُ السِّنينْ "
و مكانهم في قلب إنسانٍ له في قلبه –أو كانَ- قلبان ِ..
قلبٌ دِماءٌ .. وَ قَلبُ ماءِ الياسَمين.
و تفرقوا متقاسمينْ
في الريحِ أمكنةً ثلاثا
كلٌ لأمرٍ هُوَ ليسَ يَعلمُهُ
يودُّ بأنْ يقبّل أرْجُلَ الذِكرَى و يَسْتجدي السؤالَ :
لماذا غادرَ الدفئُ الوثيرُ مَعاطِفاً !!
لِماذا كانَ ذاكْ !!
رَحَلتْ بعيداً ما وراءَ الشمسِ لهفةُ شمسِهِ المسكونةِ الأحداقْ.
أما التأمّلُ .. فارْتَجَى لو يلتقي شخصاً يحقِّقُ فيهِ بَعضاً مِنْ تطلِّعهِ ..
و يَمنحهُ تجسدَ هائمٍ في بسمةٍ أو دمعةٍ ..
متحققاً في أنه بالأصل قد ضلَّ الطريق لقلبهِ ذاتَ المساءْ
فيتركُ الفَرِحَ المُأَمِّلَ – أو مَنْ كانَ –
يَتركهُ إلى يأسِ الحواشي في انغلاقْ
و مقيداً بسرابهِ دونَ انعتاقْ.
و الثالث : الميعادُ ..
ظلَّ مُحدِّقاً " فيمَ المُكوثْ !!"
فحكايَةُ الترحالِ خُطَّتْ في صَحَائِفِ لهْفةٍ ضَاعَتْ ..
لتَنثُرَها بَقايا مِنْ رَمادٍ .. بعدما احترقَ المُأمَّل في أقاحيهِ احتراقْ ..
بَعْدَما صارَ الفُراقْ ..
نصاً وَ مَتْناً في تلافِيفِ السِّياقْ.
* * *
جَالساً ..
مُتَحَسِّسَاً فُنْجَانَ قَهوتهِ القَريبِ البارِدِ الأطرافْ
و مُحَدِّقاً في دَفْقِ صورتِهِ التي امتدَّتْ كبحرٍ مِنْ أشِعَةِ شَمسِ آبْ
فتمدَّدَتْ فوق السطورِ .. سطورِ غناءِ قَهوَتِهِ
التي ابْيَضَّتْ لفَرْطِ سَوَادِ لَمْستِهِ
مُتناسياً كيفَ انْتَهَتْ أيامُهُ ..
في قَهْوةٍ سَوْدَاءَ داكنةٍ – مِنْ غَيرِ سُوءْ ..
صُوَراً يواسيها شحوبُ نوافذٍ وقتَ المغيبْ
توازيها رسومٌ هائماتٌ في ظلامٍ ..
تنتهي في اللاحدودِ و في هُدوء.
* * *
جالساً ..
متهالكاً يهوي على ظِلِّ الزمان بقبضةٍ ..
المزيد