في الذكرى الثلاثين لرحيل الشاعر راشد حسين

كتبهاأغيد الصالح ، في 12 آذار 2007 الساعة: 14:13 م

في الذكري الثلاثين لرحيل راشد حسين:

الشَّجـَرة التي اقـتـُلعـَت من تربتها

كتب الدكتور عبد القادر حسين ياسين في صحيفة القدس العربي اللندنية بتاريخ 16 / 2 / 2007 :

      

في الأول من شباط (فبراير) عام 1977 ذكرت وكالات الأنباء، نقلا عن تقارير  شرطة مدينة نيويورك، أن الشاعر الفلسطيني راشد حسين مات مختنقاً نتيجة حريق شب في غرفته من عقب سيجارة . توفي راشد حسين ولم يكمّل عامه الحادي والأربعين، وقد خلف وراءه إرثاً كبيراً من الألم والحزن والمعاناة، من التحدي والمقاومة، هي إرث شعبه الفلسطيني الذي أحبه وطالما احترق بلهيب عذابه..
كانت حياة راشد حسين قصيرة إذا قيست بعمر الزمن، غير أنها حياة ضجت بعمق التجربة النضالية الفلسطينية بغزارتها وثرائها. فقد كان صوته أول صوت شعري ينطلق في الوطن المحتل في أعقاب نكبة عام 1948.. وحيداً في ساحة الكلمة، مشاركاً في كل هموم بقايا شعبه الذي وجد نفسه معلقاً علي صليب العذاب
ولد راشد حسين في خضم الثورة الفلسطينية الكبري ضد الاستعمار البريطاني ـ الصهيوني في عام 1936. ولم يكد يودع أعوام براءته الأولي حتي وجد أن الوطن قد سحب من تحت قدميه كما يسحب البساط، حتي قريته الصغيرة، مصمص، تلك القرية المتربعة علي تلال وادي عارة في المثلث الصغير، الواقعة علي طريق طالما عبرته جحافل الغزاة منذ فجر التاريخ والتي استمدت اسمها من اسم أحد قادة الفرعون المصري رمسيس، حتي قريته هذه ما لبثت في عام 1948 أن تم تسليمها إلي القوات الصهيونية ضمن اتفاقيات الهدنة، شأنها في ذلك شأن بقية قري المثلث الصغير، وهكذا وجد راشد حسين نفسه فجأة مواطناً عربياً يحمل جواز سفر ضده.
في الخمسينات كان شاعرنا يطوف القري الفلسطينية المحتلة يستلهمها وبقايا المدن يبكيها.. ثم يطلق العنان لحنجرته تنفث الأشعار في كل مكان من أرجاء فلسطين، في المثلث، في الجليل، في النقب.. كل القري عرفته، كل الأزقة والشوارع والمقاهي.. ينشد.. يصرخ.. يصيح.. يبكي من غير دموع.

يافا التي رضعت من أثدائها حليب البرتقال
تعطش.. وهي من سقطت أمواجها المطر
يافا التي كسرت الأيام فوق هذه الرمال
ذراعها تشل، حين ظهرها انكسر
يافا التي كانت حديقة أشجارها الرجال
قد مسحت، محششة، توزع الخدر!
وكنت في يافا أزيح عن جبهتها الجرذان
وارفع الأنقاض عن قتلي.. بلا ركب
وأدفن النجوم في الرمال والجدران
واسحب الرصاص من عظامها.. وأشرب الغضب.

ضد

ضد أن يجرح ثوار بلادي.. سنبلة
ضد أن يحمل طفل.. أي طفل.. قنبلة
ضد أن تدرس أختي عضلات البندقية
ضد ما شئتم.. ولكن
ما الذي يفعله حتي نبي.. أو نبيَّة
حينما تشرب عينيه وعينيها.. خيول القتلة
ضد أن يصبح طفلي بطلاً في العاشرة
ضد أن يصبح الغلام فؤاد الشجرة
ضد أن تصبح أغصان بساتيني مشانق
ضد تحويل حياض الورد في بيتي خنادق
ضد ما شئتم.. ولكن بعد إحراق شبابي
ورفاقي
وترابي
كيف لا تصبح أشعاري.. بنادق؟

إزالة وطن

لقد أزيلت أمام ناظريه ثلاثمئة وخمسون قرية فلسطينية.. مسحت من الوجود.. أصبح أهلها غرباء في وطنهم.. وأخذ الحكم العسكري الصهيوني يطوق شعبه بالسلاسل.. ويحصي خطواته. وتمتزج مرارة راشد حسين بالسخرية حين يقول:

حتي يتامانا أبوهم غائب
صادر يتامانا، إذن، يا سيدي
لا تعتذر من قال انك ظالم
لا تعتذر.. من قال انك معتدي؟

قبل أواخر الخمسينات كان راشد حسين قد أصدر مجموعتين شعريتين هما مع الفجر و صواريخ . وعلي الرغم من الشعور بالإحباط الذي كان يلف الشعب الفلسطيني في تلك الأيام، فقد آمن شاعرنا بالفجر وأصر علي الإيمان بأن الإنسان، في طبيعته، خير وطيب، وبأن قانون الحب والإنسانية لا بد وأن ينتصر.
كان راشد حسين دائماً يرصد الأحداث في الخارج بحثاً عن بارقة أمل. وجدها في معركة السويس، وفي انبثاق حركة عدم الانحياز. وسارع شاعرنا إلي تأصيل هويته، فكتب قصيدة أنا من آسيا معبراً عن إيمانه الراسخ بأن المضطهدين سيهبون لمواجهة آلة الحضارة الغربية الفاشية المتمثلة أمامه بالصهيونية.
ومع ذلك، فقد تمسك راشد حسين بالسلام، وكره الحرب والقتل والدمار. كان يحلم بسلام عادل بعيداً عن الصهيونية، بعيداً عن القتل والاغتصاب، غير أنه كان يدرك في أعماقه بأن يده الممتدة لن تجد من يصافحها. ففي عام 1958 كتب يقول: اننا لا نخشي أن نقول ان حبنا لشعبنا هو حب يمتد ليشمل كافة الجماهير في الوطن العربي.. اننا نشاركهم آمالهم في التحرر. وكعرب تحت نير الاحتلال، كفانا ما ذقناه من خبز أسود.. ربما تكون بعض الطرقات قد مدت بين قرية وأخري، غير أن الغبي فقط هو الذي لا يدرك بأن ذلك لا يعدو كونه قطعة حلوي تستخدم لإغراء السذج والأبرياء…إننا نواصل الحياة في عالمين منفصلين.. ولو كان الحائط الذي يفصلنا من زجاج لكسرناه، ولو كان من صخر واسمنت لهدمناه أو تخطيناه.. غير انه حائط غير مرئي .
وفي عام 1966 سافر راشد حسين إلي الولايات المتحدة الأمريكية، واندلعت حرب حزيران (يونيو) عام 1967. وفي نيويورك بدأت مأساته الثانية. كان يدرك جيداً أن الولايات المتحدة لا تصلح لأن تكون مكاناً ملائماً لإقامته الدائمة. وقرر السفر إلي الدول العربية.
وفي عام 1972 حط رحاله في بيروت ولم يلبث أن غادرها في عام 1973، عائداً إلي منفاه الجديد، في مدينة نيويورك. وجد راشد حسين نفسه في مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية حيث عين مراسلاً لـ وكالة الأنباء الفلسطينية (وفـا) في الأمم المتحدة، وهناك عرفته الأوساط الإعلامية الأمريكية والعالمية شخصية نشيطة متألقة… في نيويورك حل راشد حسين تلك المعضلة التي طالما شغلت باله …معضلة الحرب والسلام، فقد وصل إلي اقتناع تام بأن العـدو الصهيوني لا يعرف لغة السلام .. نشط راشد في الكتابة … ينشد.. يقرأ أشعاره … يحاضر.. يتمزق.. لقد اختفت من قصائده تلك النبرة المشفقة الباكية.. واشتد عوده الشعري.
في قصيدته الحب والغيتو يتساءل راشد حسن: إذا كان النازيون قد طاردوا اليهود إلي داخل أفران الغاز، فكيف يمكن أن يصبح هؤلاء اليهود أنفسهم قتلـة شعبه وجلاديه، يطاردونه إلي داخل أفران الحقد والكراهية…؟ لم يعد ثمة معيار لراشد حسين غير تحرير شعبه ووطنه من قبضة المحتل الصهيوني. ظل راشد حسن ابن القرية التي غادرها منذ عشر سنوات. وكان الحنين إلي العودة ينخر في جسده وقلبه، غير أنه كان يدرك جيداً استحالة ذلك. يقول أصدقاؤه إنه كان يسير في شوارع نيويورك كما لو كان يسير في أزقة قريته وحواريها، يحيي الناس… يسألهم عن أحوالهم … يبتسم … يدعوهم إلي تناول المجدرة (أكلة شعبية فلسطينية) غير أن أحداً لم يفهمه.
ويقول عالم الاجتمـاع والروائي اللبناني الدكتور حليم بركات أنه حين التقي راشد حسين في نيويورك لم يكد يعرفه.. كانت عيناه أشبه بنافذتين مشرعتين تطلان علي عالم اللاشيء.. لقد اختفي البريق منهما، كما خفتت نبرة صوته.. أحسست بأنه كان يعيش في الماضي.. تطلع إلي وقال: اشعر بأنني شجرة اقتلعت من تربتها … تتنفس هواء غريباً وتشرب ماء ملوثاً.. اشعر بأن كل شيء قد انتهي.. لو سنحت لي الفرصة لكي أعود إلي (الوطن) لما ترددت لحظة؟ .
لقد حل راشد حسين معضلته الفكرية دون أن يحل معضلته الذاتية، تلك المعضلة التي لم يحلها إلا الموت، فقد وافقت سلطات الاحتلال الصهيوني بعد جهود مضنية، علي السماح له بالعودة محمولاً، علي الأكتاف، بعد أن اشترطت أن تدفع كافة النفقات في الخارج. وهكذا عاد راشد حسين إلي أحضان مصمص يلفه البنفسج من كل جانب، منتظراً ذلك اليوم الذي سيشهد فيه عبور فلول آخر الغزاة.

 

منقول عن صحيفة القدس العربي اللندنية

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات أدبية وعامة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر